
وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206)
ثم ذكر أن هذا المفسد في الأرض بمعاصي الله, إذا أمر بتقوى الله تكبر وأنف، و { أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ } فيجمع بين العمل بالمعاصي والكبر على الناصحين. { فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ } التي هي دار العاصين والمتكبرين، { وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ } أي: المستقر والمسكن, عذاب دائم, وهم لا ينقطع, ويأس مستمر, لا يخفف عنهم العذاب, ولا يرجون الثواب, جزاء لجناياتهم ومقابلة لأعمالهم، فعياذا بالله من أحوالهم. (تفسير السعدي)
البدايات دائماً تكون متواضعة..
نشقى ونتعب لنصل إلى مكانة معينة..
ومن ثم.. نتباهى ونزهو : إنما أوتيته على علم عندي!
أنا من تعبت على أولادي وربيتهم بدموع العين..
أنا من خططت للحصول على زوج وحافظت عليه من عيون الحاسدين والفاسدين..
أنا من رددت كيد حماتي.. وأهل زوجي.. وصديقاتي الغيورات.. وبقيت صامدة رغم المكائد والمخططين..
أنا من درست وأخذت درجة الماجستير أو الدكتوراه..
أنا من فقهت الدين.. وأخذت العلم من أطرافه.. وقرضت الكتب قراءة وتلخيصاً..
أنا من جمعت المال وحققت العوائد والاستثمارات ورفلت في الجاه والسلطان..
أنا من وصلت بجهدي وتعبي وعملي إلى مراكز مرموقة ومتابعين بالآلاف والملايين..
أنا من تخصصت وحصلت على الترقية والتزكيات..
أنا من أدار المكان.. وأسس المؤسسة.. ووضع حجر الأساس للمسميات..
أنا من ساعد.. أنا من دبر.. أنا من دعم.. انا من ساهم.. أنا من كافح.. أنا من كابد.. حتى وصلت!
أنا وأنا وأنا..
ثم إذا كانت اللحظة.. التي تشرئب فيها الأعناق لتسمع مني آرائي وتوجيهاتي..
فأعبر عن نظرتي للأمور.. من برجي العاجي.. وبكل فوقية استحققتها على البشر من حولي..
يأتي من يعظني فيقول لي: اخطأت.. فاتق الله!
نعم؟؟؟ أنا أخطئ؟؟
من تكون أنت؟
ألا تعرفني وتعرف تاريخي وما فوقي وتحتي وما خلفي؟
أنا لا أخطئ.. بل أنا مثالي.. كامل.. ولا غلطة..
أنت من عليك أن تعرف مكانك ومنزلتك في حي الجهل والمنسيين..
أنت من تنقصك الخبرة والتجربة والحنكة والمهارة في بروج العظمة والمكانة العالية..
أنت يا من لا تفقه شيئاَ.. ولا تعرف كيف تلزم حدودك عندما تتحدث مع من هم أخبر وأعلم وأعلى منك..
استعد للمعركة.. واستعد لأستل سيفي وأستخرج عيوبك وأخطاءك وبلاويك كلها.. لتعرف حقيقة مكانك!
هيه.. يا هذا.. أنا لا أخطئ.. بل أنا محسن..
وتذكيرك لي بالله.. ومخافة يوم الحساب.. هو اتهام صريح.. أنني لا أعرف ربي..
رغم صلاتي وزكاتي وعباداتي ومواعظي التي ألقي بها للناس يمناً ويسرة..
أنت تعظني؟
من تكون أنت لتنزل نفسك منزلتي وتضع نفسك نداً لي.. كي تنصحني؟؟؟
واسمع..
لا بأس بأن أكون أماً نرجسية.. أسحق أبنائي.. وأتسلط عليهم.. وأطمس شخصياتهم طوال حياتهم..
لكنني بنفس الوقت.. امرأة المجتمع الراقية المحافظة.. التي يمدحها كل من حولها لالتزامها ورقة طبعها وجمال ضحكتها..
ولا بأس بأن أكون شيخاً عالماً.. أستنكر تصحيحي من متتلمذ مبتدئ عندي.. لا يعرف منزلتي ولا مكانة أهل العلم..
فأقصيه وأتجاهله واستقصده وأرمي سهام غلظتي عليه.. كي يتأدب فيعرف كيف يخاطب أسياده وأهل الفضل عليه!
ولا بأس بأن أكون زوجاُ.. أقتر مالي ومشاعري على زوجتي وأبنائي.. فلا يرون مني إلا كل ضرب وعصبية وانتقاد وتجاهل..
لكنني خارج بيتي.. الجنتلمان.. الشهم الكريم.. الذي يغدق على أهله ومن حوله من وقته وماله وعصارة أفكاره!
فإن أتاني من قال لي اتق الله وأحسن إلى أولادك.. أو أحسن إلى أهل بيتك.. أو أصلح وغير من حالك..
نفضت رأسي.. وأخذتني العزة بالإثم.. وزدت إصراراً وعناداً!
أتعرفين ما مشكلتنا؟
- أننا نرى عيوب غيرنا.. وننشغل بها.. في حين أننا لا نرى عيوبنا.. وكأننا منزهون عن كل خطأ أو عيب!
- وأننا عندما نعمل.. ونقدم.. إنما نجعل مركزيتنا رضى أنفسنا أو رضى العالمين.. وليس رضى رب العالمين!
فيتحول الأمر من ناصح ومنصوح.. إلى معركة مصير ووجود.. فنتسلح بالجدال والعناد والكبر والفساد!
ولم لا.. وقد رأى إبليس أنه خير من آدم.. فلم يخطيء لما رفض السجود له.. رغم أنه أمر إلهي مباشر.. وليس نصيحة أو اقتراحاً!
فكانت الخطيئة الأولى.. التي فتحت الباب لكل خطايا البشرية من بعدها:
الاستكبار و التعالي المؤديان للعناد و اللجاج و الابتعاد عن طريق الحق والحقيقة..
فنسمع العبارات الرنانة:
“لاااا.. هذه مسألة مبدأ”..
“لاااا.. إنها مسألة كرامة”..
فلا تنازل.. ولا تراجع.. ولا حتى اعتراف بالخطأ!
لا يرى للآخرين أهمية تذكر.. وينظر اليهم كموجودات حقيرة (حشرات بشرية) لا تستحق الاهتمام..
لا يمكن بحال من الاحوال أن يستمع لقولهم أو أن يخضع لآرائهم أو أن يسير على نهجهم..
((وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ…)) الآية 206
وبنفس السورة التي وردت فيها الآية أعلاه.. سورة البقرة (بقرة بني إسرائيل الدالة على لجاجهم وعنادهم واستكبارهم)..
جاء في السورة بأكملها إحدى وثلاثون آية وردت فيها مشتقات كلمة التقوى ..
وذكرت مشتقات التقوى 13 مرة في الآيات التي سبقت تلك الآية وحدها (من الآية 177 الى الآية 203)..
وكأنه جل في علاه يهيء لنا في قلوبنا أسباب التقوى.. ويكرر التذكير بالتزام التقوى..
حتى إذا ذكّرنا أحدهم بتقوى الله.. لم تكن ثقيلة على النفس.. ولم تأخذنا العزة بالإثم..
تماماً كما فعل سيد الخلق المصطفى محمدﷺ..
عندما جاءه رجل فقال له: يا رسول الله! عظني ولا تطل.
(لا تطل.. رغم أنها ثقيلة على النفس.. وتعني لا تكثر من الحديث.. ليس لدي الصبر لأستمع لكثير كلامك!!)
فتلا النبيﷺ عليه {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}، فقال الأعرابي: قد كُفِيتُ يا رسول الله،
فقال النبي: فَـقُــه الرجل” (أي أدرك العلاقة بينه وبين ربه، فلا يريد كلاما كثيرا.)
وجاء آخر إلى النبيﷺ فقال: يا رسول الله أوصني وأوجز (مرة أخرى: اختصر ولا تطيل علي.. يعني طرار ويتشرط على النبي!)
فقال له النبيﷺ: “عليك بالإياس مما في أيدي الناس، و إياك والطمع فإنه الفقر الحاضر، وصل صلاتك وأنت مودع، وإياك وما تعتذر منه”
ما استكبر.. وما علاوتجبر.. وما قال كرامتي.. ولا المسألة مسألة احترام والتزام الحدود..
بل أجاب بكل تواضع.. واحتواء.. وخلق حسن!
وهنا.. أنتقل بعدسة الكاميرا الى الجانب الآخر..
جانب الناصح..
وهو جانب ذو شجون!
فكما أننا لا نخطئ.. لأننا لا نرى عيوبنا..
فإن كثيراً منا.. يتربص بعيوب الغير.. ويشير لها بملء الشدقين!
مراهقة أقنعتها أمها بشق الأنفس بالالتحاق بمركز تحفيظ القرآن لتتعلم كتاب ربها..
فكان أول استقبال معلمتها لها قولها: أنتِ نامصة لحواجبك وتأتين لتتعلمي القرآن؟
فخرجت ولم تعد بعدها أبداً.
وفتاة أمها حافظة ومقرئة للقرآن.. عاجلها الناس باستنكار لباسها ومقارنتها المستمرة بوالدتها..
فنفرت من التدين وجمعيات الدين!
وأخرى.. تخشى أن تحاسب أمام الله إن لم تبلغ النصيحة..
فتدخل في كل منصة على السوشيال ميديا.. تستنكر وتعيب على اصحاب المنصة المنكرات..
دون ذوق.. ولا أدب.. ولا مراعاة لانتقاء الكلمات..
وهي ظاهرة مستفحلة.. مستشرية.. شريرة.. شرسة..
لأننا لا نرى أحداً خلف الشاشة.. كلنا رموز وأسماء وهمية..
فكلنا “ناخد راحتنا” و “نمد رجلينا” في التطاول على الناس.. والإنكار عليهم.. واخراجهم من الدين والملة!
الدين النصيحة.. لكن قل منا من فقِه النصيحة!
عندنا مسطرة واحدة.. نقيس عليها الكل.. ونضعهم في ميزاننا.. ومن لا يعجبنا شكله أو اسلوبه.. نسلقه بألسنة حداد!
رغم أننا نقرأ القرآن.. ونقرأ عتاب ربنا لعبده ونبيه محمد ﷺ في مواضع كثيرة:
فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ..
فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا..
عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى..
عاتبه ربه مهدئاً له .. فقد كان مرجل الحزن يغلي في صدره حرقة على المبتعدين عن شرع الله
هذه الحرقه قد تجعلك تعاجلين الناس.. تلزمينهم.. تقسي عليهم..
وما عليك الا البلاغ بآسلوب محبب رقيق قريب للقلب..
يحبب الناس في دينهم لا ينفرهم منه..
لا تجعلي همك أن تكوني من قوافل الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.. إبراء لنفسك أمام الله..
حتى يرتاح ضميرك.. وتضحكي على نفسك: خلاص أديت اللي علي.. وأنا من الفئة الناجية!
لا يكن نظرك مركّز على الفعل أو التصرف.. بل مركّز على الفاعل..
كيف تمدين جسور التواصل (بالقوة الناعمة).. كيف تجدين المداخل.. كيف تتعاملين برفق لتؤثري:
من خلال كلامك.. تعاملك.. أخلاقك.. وحتى صمتك!
كيف ترحمينه.. وتشفين عليه.. إشفاق من يريد أن ينجو بكل نفس من النار..
وليس حب من يريد أن يطلق الأوامر والنواهي بغض النظر عن الوسيلة:
فكم عاجلنا أولادنا بالأوامر والنواهي وربما الإجبار والإكراه.. على الصلاة.. على الالتزام.. على الحجاب.. إلخ..
حتى نفروا من الدين.. ووصلنا إلى الإلحاد وخلع الحجاب للأسف!
قبل ان نعاجل الناس بالنصيحة علينا ان نتقن فن الدعوة الى الله:
- فن الرحمة.. والشفقة.. والرغبة في الهداية بالنصيحة..
- وفن التذلل والتواضع وسعة الصدر للنصيحة..
هما وجهان.. الأصل أنهما لعملة واحدة..
وليس قطبان يتنافران فلا يلتقيان..
لا أحد منا مثالي.. ولا كامل.. بل كلنا مذنبون خطاؤون..
فالنصيحة يجب أن تُبذل بفن.. ويجب أن تُستقبل بفن..
فمن نصحك في دينك وصالح دنياك وآخرتك، فعليك أن تشكريه لا ان تحظريه وتعملي له بلوك..
ولا أن تهاجميه وتنّقبي عن عيوبه وزلاته وذنوبه وتعايريه بها!
﴿(وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)﴾
واتركي المقولة التي ضيعتك وضيعتنا في كل زمان ومكان:
دع الخلق للخالق..
بل:
اُدعُ الخلق للخالق
بالرفق.. واللين.. والموعظة الحسنة..
واخفضي جناحك للنصيحة المخلصة الصادقة..
وولّي وجهك شطر رب العالمين.
فلوجهه الكريم ننصح.. ولوجهه الكريم نتقبل النصيحة.

دورك أنت:
شاركينا موقفاً أساء/أو أحسن فيه أحدهم النصيحة لك.. وتتذكرين حتى اليوم الأسلوب.


كنت روح ع المسجد ببنطلون وكنزة عادية .. ومرة سألتني الآنسة ليه خجلانة وليه المرة الماضية ما اجيتي .. قلتلها خجلانة منك ومن رفقاتي كلكن لابسن لبس طويل ومحتشم وانا… اقرئي المزيد »
اذكر معلمة القرآن وشراؤها لي ثوبا جميلا بمناسبة حفظي كم جعلتني احب القرآن جزاها الله عني كل خير.