
((وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ..)) (الآية)
وهذا فيه أيضا أعظم دلالة حسية على قدرة الله وإحيائه الموتى للبعث والجزاء، فأخبر تعالى عن خليله إبراهيم أنه سأله أن يريه ببصره كيف يحيي الموتى، لأنه قد تيقن ذلك بخبر الله تعالى، ولكنه أحب أن يشاهده عيانا ليحصل له مرتبة عين اليقين، فلهذا قال الله له: { أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } وذلك أنه بتوارد الأدلة اليقينية مما يزداد به الإيمان ويكمل به الإيقان ويسعى في نيله أولو العرفان. (تفسير السعدي)
نبي يتجرأ.. ويسأل الله طلباً..
أغلبنا يعتقد أنه محسوم.. محتوم.. لا يجب أن يطرحه أصلاً..
كيف يكون نبياً.. ومن أولي العزم من الرسل.. ثم يسأل الله سؤالا يعرف جوابه أصلاً:
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ!
يعني كيف؟؟ كيف يقنع بها عقل أصلاً.. أن خليل الله.. يسأله كيف يحيي الموتى..
فيأتي الجواب البديهي.. الذي تبادر إلى ذهني وذهنك قبل أن نتابع تلاوته قرآناً:
أَوَ لَمْ تُؤْمِن؟
أليس بديهياً.. أنك مؤمن.. فلا يحتاج أن تبحث عن إجابات لأسئلة تعرف إجاباتها؟
أليس بديهياً.. ألا يتسلل الشك قلبك.. طالما تثبت الإيمان من جوارحك؟
هنا.. يجيء الجواب.. مما لا يخطر ببالي وبالك.. بسيطاً.. لكن خلفه جبال من المعاني:
بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي!
ياااااه.. تريد أن يطمئن قلبك يا إبراهيم (عليك السلام)؟؟
قلبك المؤمن.. العامر باليقين.. ومع ذلك.. تطمع في زيادة الطمأنينة في قلبك؟
طمأنينة فوق طمأنينتك..
وإيماناً فوق إيمانك؟
عجباً..
عجباً لتجرؤ السائل النبي.. رغم رصيده من الجواب أصلاً..
وعجباً لتقبل المجيب الخالق.. وإشباع السائل بالجواب المطمئن!
حوار بسيط.. بين الخالق والمخلوق.. بين الإله والنبي..
لكنه يفوق ويتعدى حدود العقل!!
لماذا؟
لأن هذا السؤال البسيط.. من فم أبينا ونبينا إبراهيم (عليه السلام).. كشف حاجة القلب الفطرية.. للإطمئنان..
من حقي أن أطمئن..
ومن حقي أن أطمئن كمان..
ومن حقي أن أستزيد في الاطمئنان..
وكأن القاعدة الأساسية.. أو الأرضية الزيرو.. لحياة القلب.. هي أن يكون بالأصل مطمئناً..
لكن لا مانع من أن يستزيد الاطمئنان من حين إلى آخر!
يستزيد.. وليس يزيد..
يستزيد بمعنى: أن يطلب المزيد.. ويطالب بالمزيد..
وهنا يبدأ حديث ذو شجون..
عندما يُنكر عليك أقرب الناس.. تقديم أبسط أنواع الطمأنينة.. لأنك أصلاً فاقدة للطمأنينة من الأساس..
فما بالك بالمزيد منها؟؟
عندما كنتُ أسأل مستشيراتي.. ما أكثر ما يخشينه من أزواجهن..
فكانت الردود تتفاوت.. لكنها كلها صبت في مستنقع واحد:
لا أشعر بالأمان معه!
يهددني بالطلاق.. عند كل شحناء وبغضاء..
أو يلوّح بالزوجة الثانية.. كنوع من العقوبة والانتقام..
أو يتنقل من معجبة إلى أخرى.. ليترك الغيرة تنهشني وتأكل أفكاري طوال الوقت..
أو يذمني.. يحتقرني.. ينتقدني.. يجفوني ويقتر عليها العواطف والكلام.. أو لا يجدني كافية ولا مقبولة..
أو يهملني أغلب أيامي وليالي.. بحجة العمل.. أو زيارة الأهل.. أو تسامر الأصدقاء..
وهلم جراً..
أتعرفين؟
في مرة من المرات.. جلست السيدة عائشة حبيبة و الرسولﷺ.. تسامره في ثرثرة طويلة (والحديث في الصحيحين)..
عن قصص ١١ امرأة.. تعاهدن وتعاقدن ألا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئاً..
فمنهن من كان زوجها الشديد والبخيل.. ومنهن من كان الرومانسي والكريم..
حتى وصلت إلى حال الزوجة الأخيرة رقم ١١.. واسمها أم زرع.. تصف حال زوجها أبي زرع..
فوصفت كرمه وشهامته وأخلاقه.. وأنها لم تجد مثيلاً له حتى بعد أن طلقها وتزوجت غيره..
هنا..
صمتت عائشة (رضي الله عنها) قليلاً.. بعد ساعة من الكلام والثرثرة.. أمام زوجها المصطفىﷺ.. الذي كان مستمعاً طوال الوقت..
فما كان منه إلا أن قال لها: «كُنْتُ لَكِ كَأَبي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ» وفي رواية أضاف «إِلَّا أَنَّ أَبَا زَرْعٍ طَلَّقَ، وَأَنَا لَا أُطَلِّقُ»..
فردت عليه الحصيفة الأديبة اللبيبة: (يا رسولَ اللَّه! بل أنْتَ لِي خَيْرٌ مِنْ أَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ)..
أم المؤمنين تحكي ساعة من الزمن.. وتخرج من قصة لتدخل في قصة.. عشان تسمع كلمة..
كلمة تطمئن قلبها بمكانتها عند الحبيبﷺ..
وقد فهم الحبيبﷺ المغزى من هذه القصة الطويلة العريضة.. فأسمعها ما تريد أن تسمع حتى طربت..
لتزيد دلالاً عليه بأنه خير لها من أبي زرع لأم زرع!
غزل صريح وعلى المكشوف بين الحبيبين.. الهدف منه أمر واحد:
ليطمئن قلبها!
كل امرأة على ظهر هذا الكوكب..
بل حتى كل رجل..
وكل طفل.. وكل مراهق.. وكل شاب وكل فتاة..
يريد قلبه أن يطمئن.. أين هو من الآخر!
وكم من منازعات قامت.. وكم من مشاحنات استعرت..
بسبب تذبذب القلب.. الذي لم يحصل على جرعته من الطمأنة الدورية!
وللأسف.. غالبية النفوس شحيحة أو متغابية عن تزويد هذه الجرعة!
السيدة خديجة (رضوان الله عليها وأرضاها) عندما فوجئت بدخول الصادق الأمينﷺ إليها مرتجفاً خائفاً..
يقول زملوني زملوني.. دثروني دثروني..
ما أسرع إليها.. ولا إلى بيتها.. ولا إلى حِجرها.. ولا إلى سريرها.. إلا لحاجة واحدة:
ليطمئن قلبه!
فكانت حق السكينة وحق الطمأنينة وحق الطبطبة له ولقلبه!
سُئِلتُ مرة في إحدى الدورات.. عن كيفية التعامل مع الأم المتسلطة التي تتدخل في كل شؤون أبنائها حتى عندما يكبرون..
وكيف يمكن وضع الحدود لإيقاف التدخلات والانتقادات وسوء الفهم بين الآباء والأبناء..
فأجبت على ذلك السؤال.. بأن مشكلة “أغلب” الآباء والأمهات.. الذين يتقدم بهم السن..
وينفضّ عنهم الأبناء.. كل إلى حياته وحال سبيله..
أنهم تزداد لديهم السلوكيات الطفولية.. أو المنتقدة.. أو حتى المتسلطة..
لأنها تخفي أسفل طياتها رسالة واحدة:
“ليطمئن قلبي”..
أريد أن أطمئن.. أنني لم تنتهي صلاحيتي من حياتك..
أرين أن أطمئن.. أنني لازلت أباك.. الذي تستند عليه وتلجأ إليه.. وتحتاج لحكمته وخبراته..
أرين أن أطمئن..أنني لازلت أمك.. وأنك لازلت تحتاجينني في طبخاتك.. أو تربيتك لأولادك..
وأنني لازلت أفضل من زوجتك.. وأهم من أولوياتك.. وأقدس من مواعيدك وأعمالك..
ومن هنا.. أعمم في الكثييير من البشر..
العروس.. تحتاج أن يطمئن قلبها.. أن ليلتها الأولى.. ستكون ليلة رفق ورحمة وتودد واستمالة قلب بالدرجة الأولى..
والزوجة.. تحتاج أن يطمئن قلبها.. أن ما تطبخه من طعام أو تقوم به من ترتيب للبيت.. لن يكون محط انتقاد أو سخرية أو تقريع..
والطفل.. يحتاج أن يطمئن قلبه.. أن أمه تحبه لأنه ابنها.. لا لما قدم من أعمال حسنة فتحبه.. ولا لما أساء من تصرفات فتخيفه وتنهره وتكرهه..
والشاب.. يحتاج أن يطمئن قلبه.. أن والداه يتقبلانه كما هو.. باختياراته.. بطموحاته.. بقراراته التي يريدها..
والابنة تحتاج أن يطمئن قلبها.. أن أهلها سندها وظهرها في كل وقت.. وأن بيتهم مفتوح لها مهما انتكس زواجها.. أو غدرت بها الأيام
مش يقال لها: ما عندنا بنات تتطلق!.. من بيت أهلك لبيت زوجك ومن بيت زوجك على القبر!
ما أرحم رسول اللهﷺ عندما بلغه أن علياً (رضي الله عنه) ذكر بنت أبي جهل (يريد أن يتزوجها)، فقالﷺ من فوره:
“إِنَّما فاطمةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، يُؤْذِينِي ما آذَاها، و يُنْصِبُنِي ما أنْصَبَها”
يعني بالعربي: اللي يزعل بنتي يزعلني.. واللي يتعبها يتعبني!
ياااااه..
أين الأمهات.. أين الآباء.. أين الأهل الذين يطمئنون أبناءهم وبناتهم بهذا الشكل؟؟؟؟؟؟
كلنا.. بلا استثناء..
نبحث عن الأمان في مكان ما.. في بيت ما.. في صحبة ما.. في قلب ما..
وكلنا.. يُقرن هذا الأمان.. بالقبول..
أن يتم قبولي كما أنا.. دون كسري.. دون قهري.. دون تخويفي.. دون إفجاعي…
حتى أنني لو سألت.. فإن من حقي أن أسأل.. وأتساءل..
كي يطمئن قلبي!
ما استنكر الله سبحانه وتعالى على خليله إبراهيم السؤال..
كما لم يستنكر الله جل جلاله على ملائكته السؤال: ((قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ))؟
إبراهيم الخليل يسأل.. وحتى الملائكة تسأل..
والجملة الأخيرة بالمناسبة عنوان لكتاب للمؤلف الدكتور جيفري لانغ.. الذي كان سبب إسلامه قصة سؤال الملائكة!
من حقي أن أسأل..
من حقي أن يطمئن قلبي..
ومن حق قلبي أن يطمئن أكثر..
ولا علاقة لسؤالي ولا لاطمئناني.. بطريقة تفكيري أو درجة إيماني..
هذا حقي.. وكفى!

دورك أنت:
كيف تساعدين أولادك ليطمئنوا على محبتك لهم.. وكيف تستزيدين من طمأنينة قلبك في علاقاتك مع من حولك؟
شاركيني..


حتى لو بنتي زعلتني أو عملت موقف ما برضيني وهي بتعرف ما بخلي هاض الاشي يأثر على حبي وقبولي الها وبعبرلها عن محبتي وابتسم في وجهها حتى لو صار هيك.