
فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ۚ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ۗ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169)
سأخبرك بحقيقة مؤلمة ومفرحة بنفس الوقت..
أسهل مال سيدخل جيبك في حياتك.. هو مال الميراث..
على الرغم من الآلام والأوجاع التي ستمرين بها حزناً على من سترثينه..
إن كان والدك أو والدتك.. زوجك أو ابنك.. أخاك أو أختك.. الأقارب أو الأباعد..
ما نتفق عليه أن هذا المال.. سيدخل حسابك المصرفي بلا تعب ولا مشقة.. سوى أن اسمك وارد بين أسماء الورثة!
والمثل الشعبي يقول: ما يأتي بالساهل.. يذهب بالساهل..
فقد تكونين ممن هم حديثي النعمة.. لا تفقهين التعامل بالمال.. لتنفقي وتبذخي وتضيعي مالك على سيارة وذهب وسفرات..
وقد ينتهز أحدهم الفرصة ويستغلك بإقراض المال له.. لأنه فائض عن حاجتك الآن..
وعلى الأغلب ستمر السنوات والشخص يماطلك ولن يعود مالك لك!
وقد تكونين بزنس وومان.. سيدة أعمال.. تعرفين من تفوضين له بأعمالك وتجارتك..
فتنمين مالك وتستثمرينه في حياتك.. حتى يرثه ورثتك من بعدك وقد زاد أضعاف ما كان عليه عندما استلمته في بداياتك.
لكن هناك نوع من الإرث.. الذي ورثناه جميعاً منذ ولادتنا.. أيضاً دون تعب ولا مشقة..
إرث الإسلام..
فتولدين مسلمة.. لأن والديك مسلمان.. ويُكتب دين الإسلام على شهادة ميلادك..
فتكبرين.. تتعلمين دينك في البيت وفي المدرسة.. وتحفظين بعض السور والأجزاء.. كنوع من الطقوس المتعارف عليها بين الأسر الملتزمة والمحافظة..
وتتزوجين.. لتتكرر الدائرة مع أبنائك أيضا.. يولدون مسلمين.. ويرثون الإسلام منك.. كأي ميراث ترثينه من شخص قريب أو بعيد!
التشابه هنا.. بين توريث المال.. وبين توريث الإسلام..
أن كلاهما يصل لصاحبه بسهولة.. دونما مشقة أو تعب.. ولا حتى طلب..
والاختلاف بينهما..
أن توريث المال.. ينفع صاحبه بتحسين حياته المادية ليرتقي بمستويات أعلى اجتماعياً..
أما توريث الإسلام.. فعلى الأغلب.. يتم استلامه وتسليمه بلا روح.. في طقوس أشبه بالعادات والتقاليد..
أنا محجبة لأن أمي محجبة.. أنا أصلي لأن أبي يصلي..
شيء أشبه بغيبوبة من الوعي.. دون تذوق ولا فهم ولا إدراك!
فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ
والخلْف.. بتسكين اللام.. بمعنى الوريث الفاسد..
أما الخلَف.. بفتح اللام.. تأتي بمعنى الوريث الصالح..
فتنقل لنا الآية صورة بليغة.. للخلْف الذين يرثون الكتاب ويضيعونه بفسادهم..
قد يكون أنا.. قد يكون أنتِ.. قد يكون هو.. قد نكون نحن!
فكيف يضيع الكتاب مع هذا الخلْف؟
ليس لجهلهم.. فهم أعلم الناس به..
وليس لتقصيرهم.. فهم أقرأ الناس له..
ولكن.. لأنهم باعوه.. ليشتروا به العرض الدني الزائل..
يعني بكل بساطة.. يعرفون حرامه.. ويميزون حلاله..
لكن لا يجدون غضاضة.. في تحليل الحرام.. إن اقتضت المصالح والأهواء ذلك:
- هذه ليست غيبة.. هذه اسمها فضفضة وفشة خلق..
- هذا ليس مكياجاً.. هذا اسمه أنوثة وجمال..
- هذا ليست رقبة ظاهرة ولا شعر متهدل بمقدمة الحجاب.. هذه اسمه حجاب مودرن..
- هذه ليست فتنة وملابس ضيقة أو لافتة.. هذه اسمها موضة وتريند..
- هذا ليس عرساً مختلطاً.. هذا اسمه فرحة العمر وليلة لا تعوض..
- هذا ليس تركيباً للرؤوس.. هذا اسمه فن التسليك وإخفاء العيوب..
- هذا ليس إكراهاً للزوجة.. هذا اسمه طاعة والدتي من طاعتي أنا..
- هذا ليس حرماناً للفراش.. هذا اسمه أنا الرجل ولا تلعنني الملائكة..
- هذا ليس حرماناً للعواطف.. هذا اسمه أنا طبيعتي هيك وعليها أن تتقبلني هكذا..
- هذا ليس حرماناً من رؤية الأبناء بحكم المحكمة .. هذا اسمه تأديب للطرف الآخر ليتنازل..
- هذا ليس إهمالاً للبيت.. هذا اسمه أنا زوجة معززة مكرمة ولست خادمة..
- هذا ليس إهمالاً للزوج.. هذا اسمه أنا مشغولة لأني موظفة..
- هذا ليس هتكاً للستر وفضحاً للأسرار.. هذا اسمه لا أستطيع أن أكتم عن أمي/أهلي أخبار بيتي..
- هذا ليس ظلماً.. هذا اسمه آخد فوق حقي والبادي أظلم..
- هذا ليس ضرباً مبرحاً.. هذا اسمه تطبيق للقرآن: واضربوهن!
- هذا ليس تخبيباً.. هذا اسمه خايفة على مصلحتها ولازم أصارحها..
- هذا ليس حسداً.. هذا اسمه استغراب واستكثار النعمة عليها لأنها ما تستحق..
- هذا ليس إسرافاً.. هذا اسمه متطلبات المشاهدات واللايكات..
- هذا ليس كذباً.. هذا اسمه ذكاء.. وفهلوة.. وتحصيل مصالح..
- هذا ليس كسراً للخاطر.. هذا اسمه اللي في قلبي على لساني..
- هذا ليس إشاعة للفاحشة.. هذا اسمه مسلسل واقعي وهادف..
- هذه ليست رشوة.. هذا اسمه ما تمشي معاملتي إلا هكذا..
- هذا ليس أكلاً للميراث.. هذا اسمه ما عندنا نساء تورث وما يطلع المال للغريب..
- هذا ليس ضرباً وتعنيفاً للأبناء.. هذا اسمه تربية كما تربينا..
- هذا ليس تقصيراً في الأمر بالصلاة.. هذا اسمه مسكين تعبان بلاش أصحيه لصلاة الفجر..
- هذا ليس تنمراً وإيذاء.. هذا اسمه فن الرد ووضع الحدود..
- هذا ليس قهراً للزوجة.. هذا اسمه القوامة وأنا السيد الآمر الناهي..
- هذا ليس قطعاً لصلة الرحم.. هذا اسمه أولويات والتزامات وانشغالات..
- هذا ليس زنا.. هذه اسمه علاقات عابرة بهدف التعارف..
- هذا ليس ربا.. هذا اسمه تسليك حال بسبب الظروف الاقتصادية..
- هذا ليس تبسط ورفع للكلفة مع الموظفة والزميلة.. هذا اسمه صداقة محترمة.. ومتطلبات العمل/الدراسة..
- هذا ليس نظراُ للحرام.. هذا اسمه مشروع البحث عن زوجة ثانية!
والأمثلة لا تنتهي.. أينما وجهت وجهك.. تجدين هوى النفس والمصلحة.. تتقدمان على تطبيق شرع الله الذي ورثناه في الكتاب!
وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا
والأدهى من ذلك.. حينما نفعل ما نفعل.. مع علمنا بأنه محرم..
لكن نحسن الظن بالله.. ونقول:
سيُغفر لنا!
الله غفور رحيم!
ربك أعلم بالحال!
ربك رب قلوب!
كلنا أمة لا إله إلا الله!
فتتعرى الراقصة بجسدها أمام الرجال.. وهي متحصنة بالأذكار والدعوات بأن يبارك الله لها في رقصها.. لأنها تعرف أن الله رب قلوب!
وتتجبر الأم بالتدخل وإفساد حياة أولادها باسم البر.. وهي حافظة لكتاب الله تعمل في مجال الدعوة وتختتم محاضراتها بالاستغفار وطلب دخول الجنة!
ويعق الابن والديه ويسيء الأدب معهما ويقتر عليهما النفقة رغم حاجتهما.. وهو صالح ملتزم يربي لحيته ويكثر الصدقة ويفرح بدعاء الفقراء له بسعة الرزق والمغفرة!
وتغش الطالبة في امتحاناتها.. وتسرق جهد زميلاتها.. وهي تتنفس الصعداء أن جريمتها مرت على خير.. وتطلب من الله السماح والمغفرة!
وتخرج المرأة في السوشيال ميديا تتشدق بمقاطع الفيديو ذات العناوين المثيرة.. تخرب البيوت أو تفتن الرجال.. ثم تصلي التراويح ليلة القدر في رمضان.. متيقنة أن الله قد غفر لها ما تقدم من ذنبها وما تأخر.. لتبدأ سنة جديدة وقد صفرت العداد..
ويظلم الزوج زوجته.. (أو تظلم الزوجة زوجها).. بالتعدي أو التقصير في حقوق الآخر.. ثم يذهب إلى الحج.. يدعو الله بكل ما يريد.. متيقناً أنه سيعود كيوم ولدته أمه.. ليبدأ موسماً جديداً من مسلسل الظلم مع الشريك!
وكأن الأمر تحول إلى فلسفة ذهنية باهتة.. مجرد تمتمات وهمهمات للآيات والدعوات..
بدون بذل أي مجهود لتعلم الأحكام وفهمها ناهيك عن تطبيقها من الأساس..
انفصال تام بين العلم بالشيء والعمل به.. وتناقض ظاهر بين ما ندّعيه وبين ما نتمثله..
وكأن “اقْرَأْ” التي نزلت على محمدﷺ وابتدأ بها هذا الدين.. لا علاقة لها بـ “وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب”..
صارت اقرأ.. مفرغة من عقيدة راسخة.. المفترض أن تستقر في القلب لتتحرك بها الجوارح..
وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا
غالبيتنا اليوم نمشي على الأرض مطمئنين ونتصرف وكأننا تحمل صكوك غفران من السماء..
تعلمين أن الله غفور رحيم وانتهينا..
ولا تريدين أن تسمعي أن الله شديد العقاب.. أو أن بطشه شديد.. أو أن كيده متين.. أو أن عذابه أليم..
ترددين أن الله سيغفر لي طالما أنني موحدة أشهد أن لا إله إلا الله..
ولا بأس ببعض الذنوب والزلات من حين لآخر.. يكفي أن أستغفر الله.. وهو غفور رحيم وخلاص..
وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا
جملة.. تقولينها لنفسك ربما.. لتقللي من تأنيب ضميرك.. لأنك تقرئين القرآن.. وتعلمين حكم ما اجترأتِ عليه..
أو تقولينها لمن هو أمامك.. لتهوني عليه استنكاره لفعلك.. وأن الدنيا بخير.. والجنة تسع الجميع..
قال جيلان بن فروة:
“يأتي على الناس زمان تخرب صدورهم من القرآن، وتتهافت وتبلى كما تبلى ثيابهم، لا يجدون لهم حلاوة ولا لذاذة، إن قصّروا عما أُمروا به قالوا: (إن الله غفور رحيم). وإن عملوا بما نهوا عنه قالوا: (سيُغفر لنا؛ إنّا لا نشرك بالله شيئا). أمرهم كله طمع ليس فيه خوف، لبسوا جلود الضان على قلوب الذئاب، أفضلهم في نفسه المُدَّهِن”.
وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ۚ
والمصيبة ليست في صك المغفرة المزعوم..
بل في الاجتراء على الله مجدداً.. المرة تلو المرة.. حتى بعد الاستغفار والتوبة..
هل هذه توبة حقاً؟؟
ماذا دفعنا نحن ثمناً لشراء هذه المغفرة؟
قال معروف الكرخي: “طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور.”
وقال الحسن البصري:
“إن قوما ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا بلا حسنة، باعتقاد حسن الظن، وهو كاذب فيه، فلو كان صادقا لأحسن العمل، ثم تلا قوله تعالى: {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين}”
نعم…
لو كنتِ صادقة بطلب المغفرة لأحسنتِ العمل..
ومن أحسن العمل يوشك أن يصل..
هل تعلمين أن سورة الأعراف قد سميت بسورة الميثاق..
لأن الله قد أخذ ميثاقاً علينا ألا نقول عليه إلا الحق.. وألا نفتري عليه كذباً.. وألا نتبع أهواءنا فنقلب الحق باطلاً والباطل حقاً..
ومن كان في رأسه مثقال ذرة من عقل..
يعلم يقيناً.. أن الدار الآخرة خير مما اشترى به هوى نفسه ومصالحها..
وإننا لو صدقنا طلب المغفرة من الله سبحانه وتعالى..
لندمنا حق الندم على ما قدمنا..
قال الرسولﷺ “النَّدَمُ تَوْبَةٌ” (رواه أحمد)
وقال بعض أهل العلم:
” يَكْفِي فِي التَّوْبَةِ تَحَقُّقُ النَّدَمِ ؛
فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْإِقْلَاعَ عَن الذنوب،
وَالْعَزْمِ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ؛
فَهُمَا نَاشِئَانِ عَنِ النَّدَمِ لَا أَصْلَانِ مَعَهُ ” .
وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ
فلنتقِ الله.. ونستحي من حلمه علينا.. وجهلنا المستفحل في تطبيقنا للمعنى الحقيقي للاستغفار..
فلا ندعي أنه سيغفر لنا قبل أن نتأدب في طلب الاستغفار..
نقلع عن قائمة الذنوب التي نصر عليها طوال حياتنا.. ونعزم عدم العودة إليها.. ونرد الحقوق إلى أصحابها..
نرد الحقوق إلى أصحابها..
نرد الحقوق إلى أصحابها..
قال تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}
ومعنى اهتدى: أي استمر على الهدى وثبت عليه.
كل القصة تتمثل في أن نعرف الهدى.. حتى نستمر عليه ونثبت.
نسأل الله الثبات.

دورك الآن:
راجعي نفسك في تعاملاتك مع الناس.. هل تطوعين الدين لأهوائك ومصالحك؟ شاركينا.


جزاك الله خيرا أستاذتنا الغالية على هذه الرسائل التي تحاكي واقعنا وتلامسه وأجارنا الله أن نكون ممن يطلب المغفرة ولسان حاله في لهو وتخبط يعتمد على مغفرة الله، متناسيا أن… اقرئي المزيد »
ما شاء الله تبارك الله زادك الله من واسع فضله علما وعملا وتعليم وفطنه الله يجعل عملك خالص لوجهه الكريم يارب ويتقبله منك كلماتك تلامس القلب اللهم ردنا إليك ردا… اقرئي المزيد »
نعم اخطأت في تعاملي مع زوجي وجدت لنفسي مبرر أن امنعه من رؤية بناته لأنه يسيئ لي ويقلبهن علي لكني الحمد رجعت عن هذا وقلت له أنه بإمكانه رؤيتهم وقت… اقرئي المزيد »
جزاكي الله خيرا مقال رائع كالعادة