
وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9)
وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي ۚ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10)
من أصعب الاستشارات التي مرت علي.. زوجة اكتشفت خيانة صديقتها مع زوجها….
وعاشت الصدمة والاكتئاب والمشاكل والخناقات، حتى انتهى الأمر بطلبها الطلاق وتشتت أبنائها..
وظلت فترة طويلة بعد طلاقها تتساءل: لماذا فعل بها زوجها هكذا فقد كانت له نعم الزوجة الصالحة؟
وظلت زمناً طويلاً تندب حظها وتلوم الصديقة التي اختطفت منها زوجها الحبيب..
معتقدة أنها لولا تلك الصديقة “المشؤومة” لتابعت حياتها بهناء ولظل زواجها سعيداً!
***
{وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ}
كثيراً منا ما يمر بالابتلاءات التي تزلزل حياته.. وتقلبها ١٨٠ درجة..
فيصل إلى درجة من اليأس والقنوط.. والعتب على ربه سبحانه وتعالى:
لماذا أنا يا رب؟
فأنا أصلي وأصوم وأتصدق ولم أؤذي أحداً..
حافظتُ على كل ما طلبته مني من العبادات…
فلماذا اخترتني أنا لتأخذ مني ما أحببت من الصحة أو المال أو الأحباب؟
***
{وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ}
زوجة ما ترك زوجها هدية تحبها إلا وجاءها بها..
وما دخل عليها يوماً بيد فارغة.. إلا بشيء اشتهته نفسها..
وفي يوم نقص عليها في طبختها البطاطس.. فاتصلت منه تطلب منه أن يأتي به وهو عائد من عمله..
وصل البيت.. وقد نسي البطاطس.. وهي كانت تنتظره لتتم طبختها..
فاستاءت منه بشدة.. وانهالت عليه باللوم والعتاب وكأنه ما فعل بها خيراً قط!
ما رأيك بهذه الزوجة؟
هل تستحق أن يستمر زوجها في عطائه لها؟
ولله المثل الأعلى..
فإن نزع منكِ نعمة واحدة فقط.. فلأنه أغدق ويغدق عليكِ بعشرات النعم غيرها لسنوات طويلة..
لكن الشيطان لا يقبح لكِ إلا النعمة التي نُزعت منك!!
فتصبحين وتمسين تتذمرين.. وتشكين.. وتندبين حظك.. وتلومين الزمن الذي عبث بك!
***
{وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ}
ولربما لاحت لك نِعَم في الرخاء ففرحت بها فرحاً مطغياً أنساك دينك..
فجعلت تبررين التفلت من أحكامه.. وتتعاملين مع الواقع تعاملاً نفعياً..
فتقولين: سيغفر لنا.. ربك غفور رحيم!
للأسف.. ضاع الدين بين إفراط وغلو وتفريط وتمييع..
ثم لما حلَّت المصائب بما كسبت أيدينا..
كفر من كفر وسخط من سخط وشك من شك.. {قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ}
***
{وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً}
فاتني وفاتك أن الحياة الدنيا دنية.. متقلبة.. لا تستقر على حال..
تعتقدين أن ما وهبك الله.. من رحمات..
زوج.. أبناء.. صحة.. علاقات.. مال.. نعيم.. راحة بال..
هي الأساس.. وهي الأصل.. وأنها ستظل.. لأنك بنت حلال وما عمرك أذيت أحداً !
{ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ}
فإذا انتزعت منك.. بعد أن ذقتها.. استسلمت لليأس.. وانقدت للقنوط..
فلا ترجين ثواب الله.. ولا يخطر ببالك أن الله سيردها أو مثلها أو خيراً منها عليك..
وكأنك لم تتذوقي هذه الرحمات قط!
قال رسول اللهﷺ :
إنَّ اللهَ لو عذَّبَ أهلَ سمواتِه وأهلَ أرضِه لعذَّبَهم وهو غيرُ ظالمٍ لهم، ولو رحِمَهم كانتْ رحمتُهُ خيرًا لهم مِن أعمالِهم، ولو أنَّ لك مِثْلَ أُحُدٍ ذهبًا أنفقتَه في سبيلِ اللهِ ما قَبِلَه اللهُ منكَ حتى تؤمِنَ بالقدَرِ، وتعلَمَ أنَّ ما أصابَكَ لم يكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وأنَّ ما أخطأكَ لم يكُنْ لِيُصِيبَكَ، وإنَّه مَن مات على غيرِ هذا دخَلَ النارَ (حديث صحيح)
أدهشتني دراسة.. ذكرت أن من أهم أسباب توجه الشباب إلى الإلحاد هو عدم إجابة الدعاء..
نعم..
عندما تربيت منذ الصغر… بأن الله سيحقق كل دعواتك.. ويستجيب كل أمنياتك..
في حال تركك المعاصي والمنكرات.. والتزامك بالصلاة والحجاب وطاعتك لله..
فتكبرين.. وتلتزمين.. وتعيشين هذه العلاقة “المشروطة” مع رب العالمين..
أنا ألتزم بما يريده ربي.. وهو يستجيب دعائي ويعطيني ما أريد!
ثم تأتي اللحظة الحتمية.. لحظات الابتلاء والفتن في الدنيا..
فتتزلزين عند الاختبار الأول.. وتتضعضعين عند الاختبار الثاني.. وتنهارين عند الاختبار الثالث..
فتلحّين بالدعاء والبكاء.. وعقلك تنهشه التساؤلات:
ها أنا أدعوه فلماذا لا يستجيب؟
أين الله من كل هذا؟
لماذا اختارني أنا بالذات دوناً عن البشر كلهم؟؟؟
أنا لا أستاهل ما يحدث لي!
ويتسلل الشيطان بخفة بوسوساته في أضعف حالاتك: حالة اليأس والقنوط..
لتكفري بأنعم الله.. وتعتقدين أنك لا تستحقين كل هذا الابتلاء.. وأن دعاءك ذهب هباءً..
فتبدأ بذرة الإلحاد والعياذ بالله!
ولو أنكِ تربيتِ (وربيتِ أولادك) على قاعدتين اثنتين:
١. التزامك وطاعتك لله هي الأساس..
ليس للحصول على مقابل من ربك.. إنما لأنه الخالق المستحق العبادة..
ولا سبيل لنجاتك في الآخرة إلا بذلك!
٢. كل ما أنعم الله به عليكِ.. لا استحققته بعملك ولا بشكلك ولا بمكانتك ولا بطيب أصلك!
إنما هو فضل من الله تفضل به عليكِ.. يعطيه متى يشاء.. وينزعه متى يشاء..
لا يُسأل عما يفعل.. مالك الملك.. وهو الحكيم العليم!
***
{وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي ۚ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ}
فإذا استعدت النعمة.. أو ذهب عنك المرض.. أو تجاوزت الأزمة وأغدق الله عليك بالرزق..
انتشيت.. وانتعشت.. وأرجعت الفضل لنفسك.. كأنك تستحقين ذلك لأنك طيبة وبنت ناس وتستاهلين كل خير:
{فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ ۚ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}
***
ما أبشع ما تمر به غزة الآن.. وهي تذبح وتباد وتجوّع وتغتصب على الملأ..
فيزداد حقدك وكرهك ومقاطعتك ومحاربتك لأعداء دينك..
وأنتِ تنسفين كل شعاراتهم الفاجرة حول الحرية والعدالة والإنسانية..
لأنه وضع مؤلم وبشع.. غير معتقداتك ١٨٠ درجة.. وأزال غشاوة الركون للدنيا عن عينيك..
ولو انتصرت غزة خلال أسابيع.. بعد تفجير عدة عمارات.. واستشهاد بضع مئات..
لقلت الحمدلله.. ذهب السيئات عنا.. الدنيا لا تزال بخير..
ولنفضت يدك عن مقاطعة منتجات أعداء الإسلام.. ولعدت لحياتك الطبيعية مجدداً لتصوري قهوتك من ستاربكس وتشاركي وجباتك من ماكدونالدز ومشترياتك من لوريال وكريستيان ديور!
أتعرفين ما الذي هتكته غزة وفضحت ستره؟
هي هتكت صك الضمان للنعم التي نتمرغ فيها..
وفضحت ركوننا للكماليات التافهة التي غدت أساسيات حياتنا..
فتنازلنا عن ثوابتنا.. وعقيدتنا.. وما خلقنا لأجله.. وما علينا أن نحارب لاسترجاعه!
قال الرسولﷺ مخاطباً الأنصار “فَوَاللَّهِ ما الفَقْرَ أخْشَى علَيْكُم، ولَكِنِّي أخْشَى أنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كما بُسِطَتْ علَى مَن كانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كما تَنَافَسُوهَا، وتُهْلِكَكُمْ كما أهْلَكَتْهُمْ”
وقد بسطت الدنيا علينا.. حتى رتعنا فيها.. وكأنها دار قرارنا.. فما رضينا بها بديلاً..
***
{إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}
الوقت الذي يمر بين المثير والاستجابة يبلغ نصف ثانية والإدراك يزيد بمقدار نصف ثانية أخرى.
وهذا هو الوقت الذي يُعتبر الصبر فيه خياراً قابلاً للتطبيق
(سلمان العودة)
الاستثناء من الفئتين أعلاه (اليئوس الكفور، والفرح الفخور).. يكون وحده لفئة الصابرين العاملين بالصالحات..
العض على النواجذ.. والتمسك بالثوابت.. في السراء والضراء.. هو سر العبور في الدنيا..
فالصبر كبسولة نادرة في صيدليات منازلنا..
لأنه يحتاج لتدريب وتهذيب نفس وضبط للأعصاب..
مثل الصبر على مقاطعة المنتجات الداعمة للاحتلال وتحويلها لاستغناء دائم بغض النظر عن نتائج الحرب..
هذا ميزانك.. فقيسي حالك:
هل يتأثر عملك.. فيقل أو يكثر.. بما تمرين به من رخاء أو شدة؟
يعني:
- كم مرة يتعكر مزاجك بسبب ما أصابك.. فتتركين أعمالاً صالحة كنتِ تواظبين عليها.. وهي لا تزال في مقدورك؟
نكد زوج.. عقوق أبناء.. عنوسة.. طلاق.. خسارة مال.. مشاكل أسرية.. مرض.. هجرة.. ديون.. الخ؟
- وكم مرة.. اغتررت بما لديك من نعم.. فشغلت بها عن عمل صالح كنت تواظبين عليه؟
بزنس جديد.. زواج موفق.. حمل طال انتظاره.. عودة إلى الأهل بعد الغربة.. مال وفير.. صداقة عميقة..
قد تترك الابتلاءات الصعبة ندوباً فيك تخشين أن يراها الناس..
لكن ارجعي بذاكرتك للوراء.. وتذكري كل الابتلاءات التي مرت عليك في حياتك..
وتذكري كم مرة شعرت بالقهر والألم والعجز والحرمان.. وتمنيت أن يعود بك الحال لما كان عليه قبل الابتلاء..
(كما يتمنى البعض أن تعود الدنيا لما كانت عليه قبل ٧ أكتوبر أو قبل كورونا)..
وأراهنك.. أن عين رحمة الله كانت في هذا الابتلاء..
وأنه ما ابتلاك.. إلا ليبدل حالك لحال آخر: {فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}
***
{أُولَٰئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}
وأي شيء يفوق أن تغفر ذنوبك.. وتستبدلين تقلبات الدنيا بخلود نعيم الآخرة؟
بس اصبري.. واستمري بعملك الصالح على كل حال.
اصبري.. وأحسني العمل.

دورك الآن:
ما نتيجة صبرك على تغير حالك؟ شاركينا قصتك لبث الأمل والثقة برحمة الله.


كنت دائما بحافظ على نفسى من اى كلمه او لمسه حرام قبل الزواج والتزمت بدراستى وتفوقت وعملت فى شركه كبرى حتى تزوجت وحبسنى زوجى بالبيت 6سنوات لغايه ما اكتشفت أنه… اقرئي المزيد »
لعل أكثر ايه يمكن أن يختم بها هذا المقال الرائع قوله تعالى : الا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير صبروا واستمر ا على عملهم الصالح جزاك… اقرئي المزيد »
يالله ،سبحان الله الكريم ااعظيم،اجا الكلام بوقته يالله شو خفف عني وزال عني صخرة مش قادرة اتنفس منها…
جزاك الله خيرا