
الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ۖ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ۚ أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ۖ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26)
***
من أكثر المعلومات المغلوطة في مجتمعاتنا تفسير هذه الآية على اعتبار أن:
الزوج الطيب يتزوج الطيبة، والزوجة الطيبة يتزوجها الطيب..
والزوج الخبيث يتزوج الخبيثة، والزوجة الخبيثة يتزوجها الخبيث..
وقبل توضيح المعنى الذي ترمي إليه الآية.. دعيني أوضح تبعات المفهوم المغلوط أعلاه:
١. بالمفهوم المغلوط أعلاه.. فإن هذا يعني اعتقادي بأنني كفتاة (أو كشاب).. إذا كنت صالحة.. وعففت نفسي.. وكنت لله كما أراد لي أن أكون.. فلن يضيّعني.. وسيجعل نصيبي زوجاً (أو زوجة) صالحاً بنفس عفافي والتزامي..
٢. وبالمفهوم المغلوط أعلاه أيضاً.. إذا كنتُ ملتزمة عفيفة متعففة.. وكان نصيبي زوجاً خبيثاً لئيماً نرجسياً متجبراً ويقرفني في معيشتي معه.. فإن هذا يجعلني “أعتقد” أن الله غاضب علي، وأنني ما استحققتُ هذا الشخص إلا لأنني خبيثة مثله!
وإذا راجعت معنى الآية في كل التفاسير.. ومفهومها في إطار الآيات السابقة واللاحقة:
فهي تتحدث عن حديث الإفك في حق الزوجة الطاهرة المبرأة من فوق سبع سموات أمّنا السيدة عائشة -رضي الله عنها-
وكل ما قيل في حقها من إفك وافتراء.. فإنما هو كلمات وأعمال خبيثات.. لا تخرج إلا مما كان خبيثاً في أصله وطبعه..
والآية تؤكد على الجهتين.. وتكرر (من باب التوكيد):
أن كل رجل خبيث.. لا تخرج منه إلا الخبيثات من الأقوال والأعمال، وبالعكس؛ لا تخرج الخبيثات من الأقوال والأعمال إلا من كل رجل خبيث..
وأن كل رجل طيّب.. لا تخرج منه إلا الطيّبات من الأقوال والأعمال، وبالعكس؛ لا تخرج الطيبّات من الأقوال والأعمال إلا من كل رجل طيّب..
والخطاب هنا للرجال والنساء على حد سواء (لأن الخطاب القرآني عندما يخاطب الرجال بالعموم فخطابه موجه للجنسين بالأساس)..
ما الذي يعنيه هذا المفهوم للآية؟؟
يعني أن صون نفسك وإعفافها .. واجتهادك في اختيار زوجك.. واستخارتك.. واستشارتك للناس.. والرؤية الشرعية والبحث والتمحيص في الخاطب..
لا يعني بالضرورة أن يكون هذا الرجل طيّباً مثلك.. ولا أن يكون عفيفاً لم يعرف النساء قبلك..
وأن اجتهاد الشاب الطيّب في أن يحفظ نفسه من الوقوع في الزنا وغض بصره عن النساء.. لا يعني بالضرورة أن المرأة التي سيجتهد في اختيارها ستنتهي بأن تكون طيّبة وعفيفة مثله!
يأتي السؤال هنا:
فلم الاجتهاد إذن؟ ولم الاستخارة طالما أن النتيجة ليست مضمونة؟
لسبب واحد..
أن هذه الدنيا ليست كاملة.. وأنها دار ابتلاء بالأساس.. وليست دار الجزاء!
فربما يكون ابتلاء الزوجة الطيّبة في زوج خبيث.. وقد لا يكون!
وربما يكون ابتلاء الزوج الطيّب في زوجة خبيثة.. وقد لا يكون!
تمامًا كما ابتلى الله -سبحانه وتعالى- آسيا في زوجها فرعون.. وابتلى سيدنا لوط -عليه السلام- في امرأته..
هذه احتمالات واردة.. وهذا قدر الله واختياره للعبد.. وعلينا الرضا والتسليم في كل حال..
فإن اختار لك زوجاً خبيثاً.. فهذا لا يعني بالضرورة خبثك (لا سمح الله).. ولا أن الله غاضب عليك..
بل قد يعني أن هذا ابتلاؤك في الدنيا.. وأن عليك الصبر.. ودفع الأذى عنك..
وأعني بدفع الأذى.. أن تتعاملي مع هذا الزوج بما يزيد مكاسبك.. ويقلل خسائرك..
فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان..
أذكر أن إحداهن تواصلت معي.. كانت قد وصلت إلى الإلحاد.. ولكن رحمة الله أدركتها بالنهاية!
والسبب؟
أنها ظنت أنها على خير.. وأنها من الطيّبات الصالحات..
فلما تزوجت رجلاً ظنت أنه محترم بنظرها..
اكتشفت أنه خبيث.. وأنه كان يستغل الدين -والعياذ بالله- وفهمه المغلوط له لتبرير استغلاله لها والإساءة إليها..
فنفرت منه ومن تعامله.. ونظرت إلى الدين الإسلامي على أنه دين ظالم يأكل حقها ويستغلها عبر حقوق الأزواج!
هو كزوج أخطأ خطأ شنيعاً بأنه أساء لزوجة مسلمة وأوصلها للطلاق والإلحاد بسوء خلقه وظلمه لها تحت ستار الدين..
وهي كزوجة.. أخطأت بشكل فادح في أنها ربطت الإسلام بسلوك الأفراد.. فالدين لا يمثل الأفراد.. وهو بريء من كل من يسئ إليه..
لأنه الدين الكامل التام الذي ارتضاه الله لصلاح خلقه جميعاً إلى يوم القيامة..
ولكن رحمة ربك وسعت كل شيء. وأدركتها لتعود إلى ربها ودينها قبل فوات الأوان!
***
لا يغرنّك التزامك وارتباطك بحبل الله.. وسعيك لتكوني الزوجة الصالحة المثالية.. بألا تأخذي بالأسباب في حسن اختيارك للزوج الصالح..
فكثيرات ممن يأتينني في الاستشارات.. كانت علامات السوء واضحة وضوح الشمس في فترة الخطوبة..
لكن لم يعرنها اهتماماً للأسف.. بناء على قاعدة:
أنا صالحة ومن بيت صالح.. وأسعى لتقليل مهري لتحصل البركة..
وأهلي ييسرون على الخاطب ويهملون السؤال عنه ووضعه تحت الاختبارات التي تمحصه..
ويحسنون الظن في بعض تصرفاته وتصرفات أهله غير المقبولة..
إذن لن يضيّعني الله وسأجد ذلك صلاحاً في زوجي وبيتي وأولادي!
يؤسفني أن أقول لك بأنها ليست القاعدة..
وأن تساهلك وعدم تدقيقك.. أو تساهل أهلك وعدم إحسان سؤالهم عن الخاطب وأهله..
وتجاهلهم لكل الخطوط الحمراء والصفراء والزرقاء أثناء الخطوبة والتي تشير إلى أن الأمور ستكون أسوأ بعد الزواج..
هذا التجاهل هو من تضييع الأمانة..
فأنتِ أمانة عند نفسك.. وأنتِ أمانة عند أهلك..
ومن ضيّع الأمانة.. فلا يلومنّ إلا نفسه!
***
هناك مثل يقول:
العيب من أهل العيب.. مش عيب!
وهناك مقولة نكررها دائماً:
هو لسانه زفر.. بس قلبه أبيض..
هي لسانها متبرّي منها.. بس قلبها طيب وحنيّن..
لا يا عزيزتي..
لا يوجد شيء اسمه إن قلبي طيب.. لكني لا أستطيع فلترة كلامي وانتقاء ألفاظي..
ولهذا نصيحتي لك.. من خبرة أعوام طويلة مع المخطوبات والمتزوجات..
اسألي خطيبك.. تمحصي في إجاباته (هذه نماذج لبعض الأسئلة المناسبة)
وانتبهي لفلتات لسانه في جميع أحواله وبالذات عندما يغضب..
بل استفزيه حتى يغضب وتعرفي فلتات لسانه..
فهي تدل على ما في قلبه..
وما في قلبه سيخرج لكِ إلى العلن وأنتما تحت سقف واحد عاجلاً أو آجلاً!
قال تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}
وقال رسول اللهﷺ: “ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء” (رواه الترمذي)
وقال يحيى بن معاذ رحمه الله: «القلوب كالقدور تغلي بما فيها، وألسنتها مغارفها، فانظر إلى الرجل حين يتكلم فإن لسانه يغترف لك مما في قلبه»
ويقول المثل: كل إناء بما فيه ينضح!
والآية {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ} تقول لي ولك بكل وضوح:
أن ما نطق لسان بالبذاءة والسباب والشتم والخبث والكذب وقول الزور والسخرية والتكبر، إلا كان الأصل في صاحبه أنه خبيث!
وما كان شخص خبيثاً إلا كان لسانه وأفعاله خبيثات مثله..
أما الطيبون والطيبات..
فلا تكون مجالستهم إلا كمن يجالس صاحب المسك..
لا يتكلمون إلا طيباً..
ولا يفعلون إلا طيباً..
ولا تجد في غيابهم..
إلا كل طيب!

دورك الآن:
هل كان لديك مفهوم خاطئ في الدين وصححته؟ كيف؟
شاركينا..

